محمد بن جرير الطبري

115

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

القوم باب مدينتهم ، فإن الله معكم وهو ناصركم ، وإنكم إذا دخلتم الباب غلبتموهم . كما : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن بعض أهل العلم بالكتاب الأول ، قال : لما هم بنو إسرائيل بالانصراف إلى مصر حين أخبرهم النقباء بما أخبروهم من أمر الجبابرة ، خر موسى وهارون على وجوههما سجودا قدام جماعة بني إسرائيل ، وخرق يوشع بن نون وكالب بن يوفنا ثيابهما ، وكانا من جواسيس الأرض ، وقالا لجماعة بني إسرائيل : إن الأرض مررنا بها وحسسناها صالحة رضيها ربنا لنا فوهبها لنا ، وإنها لم تكن تفيض لبنا وعسلا ، ولكن افعلوا واحدة ، لا تعصوا الله ، ولا تخشوا الشعب الذين بها ، فإنهم جبناء ، مدفوعون في أيدينا ، إن حاربناهم ذهبت منهم ، وإن الله معنا فلا تخشوهم . فأراد من بني إسرائيل أن يرجموهما بالحجارة . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قال : ذكر لنا أنهم بعثوا اثني عشر رجلا ، من كل سبط رجلا ، عيونا لهم ، وليأتوهم بأخبار القوم . فأما عشرة فجبنوا قومهم وكرهوا إليهم الدخول عليهم . وأما الرجلان فأمرا قومهما ان يدخلوها ، وأن يتبعوا أمر الله ، ورغبا في ذلك ، وأخبرا قومهما أنهم غالبون إذا فعلوا ذلك . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قول الله : عَلَيْهِمُ الْبابَ قرية الجبارين . القول في تأويل قوله تعالى : وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا وهذا أيضا خبر من الله جل وعز ، عن قول الرجلين اللذين يخافان الله أنهما قالا لقوم موسى يشجعانهم بذلك ، ويرغبانهم في المضي لأمر الله بالدخول على الجبارين في مدينتهم : توكلوا أيها القوم على الله في دخولكم عليهم ويقولان لهم : ثقوا بالله فإنه معكم إن أطعتموه فيما أمركم من جهاد عدوكم . وعنيا بقولهما إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ إن كنتم مصدقي نبيكم صلى الله عليه وسلم ، فيما أنبأكم عن ربكم من النصرة والظفر عليهم ، وفي غير ذلك من إخباره عن ربه ، ومؤمنين بأن ربكم قادر على الوفاء لكم بما وعدكم من تمكينكم في بلاد عدوه وعدوكم . القول في تأويل قوله تعالى : قالُوا يا مُوسى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَها أَبَداً ما دامُوا فِيها فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ وهذا خبر من الله جل ذكره عن قول الملإ من قوم موسى لموسى ، إذ رغبوا في جهاد عدوهم ، ووعدوا نصر الله إياهم ، إن هم ناهضوهم ، ودخلوا عليهم باب مدينتهم أنهم قالوا له : إِنَّا لَنْ نَدْخُلَها أَبَداً يعنون : إنا لن ندخل مدينتهم أبدا . والهاء والألف في قوله : إِنَّا لَنْ نَدْخُلَها من ذكر المدينة . ويعنون بقولهم : أَبَداً أيام حياتنا ما داموا فيها ، يعني : ما كان الجبارون مقيمين في تلك المدينة التي كتبها الله لهم وأمروا بدخولها . فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ لا نجيء معك يا موسى إن ذهبت إليهم لقتالهم ، ولكن نتركك تذهب أنت وحدك وربك فتقاتلانهم . وكان بعضهم يقول في ذلك : ليس معنى الكلام : اذهب أنت وليذهب معك ربك فقاتلا ، ولكن معناه : اذهب أنت يا موسى ، وليعنك ربك ، وذلك أن الله لا يجوز عليه الذهاب . وهذا إنما كان يحتاج إلى طلب المخرج له لو كان الخبر عن قوم مؤمنين ، فأما قوم أهل خلاف على الله عز ذكره ورسوله ، فلا وجه لطلب المخرج لكلامهم فيما قالوا في الله عز وجل وافتروا عليه إلا بما يشبه كفرهم وضلالتهم . وقد ذكر عن المقداد أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم خلاف ما قال قوم موسى لموسى . حدثنا سفيان بن وكيع ، قال : ثنا أبي ، وحدثنا هناد ، قال : ثنا وكيع ، عن سفيان ، عن مخارق ، عن طارق : أن المقداد بن الأسود قال للنبي صلى الله عليه وسلم : إنا لا نقول كما قالت بنو إسرائيل : فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ ولكن نقول : اذهب أنت وربك فقاتلا ، إنا معكم مقاتلون حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قال : ذكر لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه يوم الحديبية ، حين صد المشركون الهدي وحيل بينهم وبين مناسكهم : " إني ذاهب بالهدي فناحره عند البيت " . فقال له المقداد بن الأسود : أما والله لا نكون